مؤسسة آل البيت ( ع )
116
مجلة تراثنا
لم يبتكر الإنسان الكتابة ، ويسجل بواسطتها المعارف والخبرات والقوانين التي يكتشفها ، فيحفظها ويصنفها ويبقى على صلة مستمرة بها ، ينقحها ويصححها ويضيف إليها ، ومن ثم يسلمها لمن يخلفه من الأجيال اللاحقة ، لكي تستلهم منها ، وتتكئ عليها في كل خطوة تخطوها نحو التكامل . ولذلك أضحت الكتابة منذ أن اعتمدها الإنسان القناة الأساسية لنقل المعرفة وحفظها ، والجسر الذي عبرت منه الحضارات ونتاجاتها نحو الزمن الآتي ، حيث يجري هضمها واستيعاب معطياتها وإعادة تركيبها وتكييفها في ضوء متطلبات الواقع المتجدد . لقد كانت الكتابة رمزا للتفكير ، وشفرة للحضارة ، فالشعوب التي لم تكتشف الكتابة حتى وقت متأخر من حياتها ، انخفض إسهامها في حركة التطور والاكتشاف ، لأن التطور يقوم على التراكم المعرفي ، ولا سبيل لتجميع وحفظ وتراكم المعارف من دون كتابة . من هنا اتفق الباحثون في التأريخ القديم على أن " ظهور الكتابة هو الحد الذي يعين بداية التأريخ ، تلك البداية التي يتراجع عهدها كلما اتسعت معارف الإنسان بآثار الأولين " ( 1 ) . ويظل الشعب الذي احتضن التجربة الأولى للكتابة ، هو الشعب الشاهد على بداية التأريخ ، والمحقق لأعظم إنجاز عرفته البشرية في وقت مبكر من عصورها التأريخية . ولئن كان أول من ترك لنا تراثا مهما مكتوبا هم السومريون ، كما يذهب معظم الباحثين في تأريخ ظهور الكتابة أو غيرهم ، فإننا يمكن أن نقول بوضوح : بأن أول من كتب هو أول من وعى الحياة وعيا آخر لم يشهده من سبقه ، وبتعبير آخر :
--> ( 1 ) ديورانت ، ول وايريل . قصة الحضارة . ترجمة : د . زكي نجيب محمود . بيروت : دار الجيل ، 1408 ه = 1988 م ، 1 : 184 .